أثار التقارب في العلاقات بين مصر وتركيا مؤخرًا، في أعقاب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، التي توجت باتفاقات عسكرية، وإنشاء مصنع لتصنيع السلاح في مصر، ردود فعل في وسائل الإعلام اليونانية.

 

وقال تحليل نشره موقع "هاف بوست" باليونانية، إن تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر قد أوجد ديناميكيات جيوسياسية جديدة في شرق المتوسط. وأوضح أن التقارب بين أنقرة والقاهرة قد يؤثر على التوازنات الإقليمية وله تداعيات طويلة الأمد.

 

وأضاف أن التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي تؤثر أيضًا على شرق المتوسط والشرق الأوسط أدت إلى زعزعة التوازنات الإقليمية الهشة أصلاً، مما دفع بعض الدول إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه الفاعلين الإقليميين الآخرين. 

 

تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر

 

وبدأت عملية تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر خلال بطولة كأس العالم في قطر في ديسمبر 2022، وتلا ذلك التبادل الرسمي وتعيين السفراء في صيف 2023، ومنذ ذلك الحين عُقدت عدة اجتماعات وزيارات على أعلى المستويات. 

 

فعلى وجه التحديد، في فبراير 2024، زار الرئيس رجب طيب أردوغان مصر لأول مرة منذ عام 2012، وردّ (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي الزيارة في سبتمبر من العام نفسه. 

 

وأشار التحليل إلى أنه في عالم دائم التغير، حيث تتغير موازين القوى على المستويين العالمي والإقليمي باستمرار، تسعى مصر وتركيا إلى تعزيز تعاونهما وإدارة خلافاتهما، بما يخدم مصالحهما الإقليمية والوطنية.

 

وعلى الصعيد الإقليمي، أوضح أن تركيا تسعى من خلال سياسة التقارب هذه، إلى تعزيز نفوذها في مواجهة إسرائيل والسياسة التي تنتهجها تل أبيب في منطقة شرق المتوسط الأوسع، ولا سيما فيما يتعلق بقطاع غزة وسوريا. وبالتحديد، فيما يخص الحرب في قطاع غزة، تحاول مصر وتركيا مؤخرًا، عبر قنوات دبلوماسية، إرساء السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع السعي في الوقت نفسه إلى المساعدة في إعادة إعمار المنطقة التي مزقتها الحرب.

 

وفيما يخص سوريا، قال التقرير إن الطرفين اتفقا على نهج واحد، إذ يشيدان بالجهود المبذولة لتحقيق "تحول" في البلاد من خلال الوحدة السياسية التي يسعى الرئيس الانتقالي إلى تطبيقها. أما فيما يتعلق بليبيا، التي كانت لسنوات طويلة بمثابة "لعبة محصلتها صفر" لكلا البلدين، فقد تم الاتفاق على شراكة تهدف إلى الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها من خلال تحقيق استقرار دائم.

 

قضايا خلافية عالقة 

 

ومع ذلك، فإنه بالإضافة إلى تعاونهما في العديد من القضايا الرئيسية، لا تزال هناك العديد من العقبات والخلافات بينهما، والتي ينبغي تخفيفها إلى حد ما، من أجل تجنب حدوث انقسامات في علاقاتهما.

 

وعلى وجه التحديد في مجال شرق المتوسط، رأى التحليل أن محور مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وتعاونهم الثلاثي، فضلاً عن منتدى غاز شرق المتوسط، يمثل قضايا مفتوحة بالنسبة لتركيا وتطلعاتها في المنطقة، من خلال عقيدة "الوطن الأزرق".

 

وفي الوقت نفسه، أوضح أن قضايا ترسيم المناطق البحرية واستغلال موارد الطاقة في منطقة بلاد الشام تشكل معادلة صعبة أخرى، يتعين على دول شرق البحر الأبيض المتوسط الإقليمية حلها.

 

وذكر أن منطقة القرن الأفريقي تحظى باهتمام خاص أيضًا، حيث تحاول السياسة التركية تعميق علاقاتها مع الدول الأفريقية، ولا سيما مع السودان، الذي يعاني من حرب أهلية دموية منذ عام 2023، وإثيوبيا، التي تخوض معها مصر نزاعًا مفتوحًا بشأن مياه نهر النيل و"سد النهضة الإثيوبي". 

 

زيادة حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار

 

على الصعيد المحلي، قال التحليل إن كلا البلدين تسعيان إلى تعزيز اقتصاداتهما المتعثرة من خلال سلسلة من الاتفاقيات الموقعة في سبتمبر 2024 وفبراير 2026. ويُعد توسيع العلاقات الاقتصادية بهدف زيادة حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار أولوية لكلا الحكومتين، ويعكس جهدًا مشتركًا لجعل الاتفاقيات التجارية بمنأى عن خلافاتهما السياسية.

 

ومع ذلك، فإنه بالإضافة إلى اتفاقيات التجارة الثنائية، لفت التحليل إلى اتفاقيات بيع المعدات الدفاعية (الذخيرة والطائرات بدون طيار) وأنظمة الدفاع الجوي بقيمة 350 مليون دولار، فضلاً عن استئناف التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين، بدءًا من مناورة "بحر الصداقة" التي جرت في سبتمبر 2025، والتي أدت إلى توقيع اتفاقية التعاون العسكري في القاهرة في 4 فبراير 2026.

 

ولخص تغير موقف تركيا في مقولة الرئيس الأسبق سليمان ديميريل: "الأمس هو الأمس، واليوم هو اليوم". ويُعدّ تقارب تركيا مع مصر الأكثر إثارة للإعجاب من بين محاولاتها في السنوات الأخيرة (مع اليونان والسعودية والإمارات)، ويعود ذلك أساسًا إلى الخيار الاستراتيجي الذي تبنته أنقرة في أعقاب انتفاضات الربيع العربي، والمتمثل في دعم جماعة "الإخوان المسلمين" والمسلمين المضطهدين في كل مكان.

 

وقال إن مصر تسعى من جانبها، والتي أضعفتها صعوباتها الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، إلى استعادة مكانتها المفقودة في الشؤون الإقليمية والعالم العربي. ومع ذلك، فإن جهود الدولتين للتعايش في عالم دائم التغير ويؤثر بشكل مباشر على النظام الإقليمي لشرق المتوسط، ستُرى على أرض الواقع، ومن خلال الجهد المشترك الذي سيبذله الطرفان لتخفيف حدة خلافاتهما إلى حد ما.

 

ديناميكيات إقليمية مهمة

 

وفي هذا الصدد، استنتج التحليل أنه يمكن للتقارب بين مصر وتركيا أن يخلق ديناميكيات إقليمية مهمة ويضع معايير جديدة للاستقرار والسلام في منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط الأوسع، في فترة تاريخية تتسم بالخيارات الاستراتيجية للدول التي تعود إلى فترات مظلمة من القرن الماضي. 

 

وقال إنه يمكن تفسير هذا الوضع الجديد الذي نشأ في شرق المتوسط نتيجة التقارب التركي المصري كعنصر هام في الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة ككل. ومع ذلك، فإن تقارب أنقرة مع القاهرة يحظى باهتمام خاص من جانب بلدنا، مما يثير مخاوف جدية بشأن التطورات الإقليمية طويلة الأمد ، حيث تُعتبر تركيا عاملاً رئيسياً على مستويات عدة.

 

مع ذلك، أوضح التقرير أنه "يجب على بلادنا (اليونان) الاستمرار في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع دول شرق المتوسط، مع التركيز على تعزيز علاقاتها مع مصر، كما بُنيت عبر المحور الثلاثي بين اليونان ومصر وقبرص. ويجب التأكيد على أنه بالرغم من المناخ الإيجابي الذي تسعى تركيا إلى تبنيه مع العديد من الفاعلين الإقليميين، فإن طموحاتها للهيمنة الإقليمية وأحلامها بإحياء الإمبراطورية العثمانية ستبقى قائمة". 

https://www.huffingtonpost.gr/blogs/ta-nea-geopolitika-dedomena-pou-dimiourgei-i-epanaprosengisi-aigyptou-tourkias-stin-anatoliki-mesogeio